زكية لعروسي: ترامب في فنزويلا.. العاصفة التي اختطفت الليل وأيقظت الأشباح

زكية لعروسي: ترامب في فنزويلا.. العاصفة التي اختطفت الليل وأيقظت الأشباح زكية لعروسي
في عودته الأخيرة، لا يدخل دونالد ترامب إلى المسرح السياسي بوصفه رجل دولة عاديا، بل يقتحم المشهد كما لو كان بطلا أسطوريا خرج لتوّه من أرشيف النار، أو شخصية سينمائية قررت أن تتمرّد على شريطها القديم وتطلب جزءا ثانيا أكثر ضجيجا، وأكثر إفتتانا بذاتها. إنها عودة لا تقرأ في نشرات الأخبار فحسب، بل تشاهد كما تشاهَد الأفلام الثقيلة: بسمفونية من الانفجارات، وبطولة فردية متعالية، وكاميرا لا تكفّ عن الدوران حول وجه واحد.
ترامب، في هذا الفيلم الجديد، لا يمشي على أرض السياسة، بل على حوافّ الأسطورة. يطلّ وكأنه تجسيد معاصر لإله روماني ضجر من مجلس الشيوخ، فقرر أن يحكم بالسلاح والخطاب معا. صوته ليس تصريحا، بل إعلان نهاية فصل وبداية آخر. وحين يقول: "إن مادورو قبض عليه وأُخرِج من البلاد"، لا يبدو الأمر خبرا بقدر ما هو مشهد ذروة: طائرة تخترق الليل، ظلال جنود، قصر رئاسي محاط بالنار، ورئيس يقتلع من جغرافيته كما تقتلع شجرة عجوز من تربة إستنفدت دمها.
هنا، يتسرّب التاريخ من شقوق الحاضر. شبح نور ينهض من بنما، وصدى "القضية العادلة" يعود بثياب جديدة. أميركا القديمة، التي كانت تغيّر مصائر القارات بقرار من غرفة مغلقة، تعود عبر جسد ترامب، لا كمؤسسة بل كإرادة فردية متضخّمة، كـ”أنا” سياسية ترى العالم مرآةً لها. ترامب لا يستحضر التاريخ ليحاكمه، بل ليستعيره، ليعيد تمثيله، وليضع إسمه في العناوين نفسها التي سكنت كتب الحرب الباردة.
 لا يعود ترامب رئيسا بقدر ما يصبح رمزا: رمز الحاضر الذي يرفض أن يكون عاديا، ويصرّ على أن يكون صاخبا، فوضويا، ومشحونا بالصور. هو أسطورة تصنع نفسها بنفسها، تتغذّى على الغضب، وتتنفّس عبر الكاميرات، وتكتب بياناتها بلهجة المنتصر قبل أن يجفّ دخان المعركة. العالم من حوله لا يدار، بل يختبر: من يصمت؟ من يدين؟ من يرتجف؟ ومن يطالب بـ"إيضاحات فورية" وهو يعلم أن الإيضاح الوحيد هو القوة العارية.
وهكذا، لا يبدو المشهد الفنزويلي سوى لقطة من ملحمة أوسع: ملحمة رجل يرى السياسة كفنّ صدامي، كحلبة مصارعة كونية، لا مكان فيها للرمادي. إما طاغية أُزيح، أو بطل أزاحه. إما سيادة تنتهك، أو تاريخ يعاد كتابته من منظور المنتصر. وبين هذا وذاك، يقف ترامب في مركز الكادر، مضاء بضوء قاس، يعلن، من دون تردّد، أن زمنه لم ينته، وأنه عاد، لا ليحكم فقط، بل ليروى.
إنها عودة لا تطلب الإجماع، ولا تخشى اللعنة. عودة تشبه الأساطير حين تنبعث: مقلقة، جذّابة، وخطرة. عودة رجل قرر أن يكون "أسطورة الحاضر السياسي"، حتى لو إحترق المسرح من حوله.