محمد رمصيص: تجربة ناس الغيوان بين التعاطف الغفل والتقييم الموضوعي

محمد رمصيص: تجربة ناس الغيوان بين التعاطف الغفل والتقييم الموضوعي محمد رمصيص باحث أكاديمي في التراث الشعبي
تتقاسم جريدة "أنفاس بريس" مع القراء نص المداخلة التي ألقاها الدكتور الباحث الأكاديمي في التراث الشعبي الأستاذ محمد رمصيص خلال ندوة أقيمت بمدينة القنيطرة خلال الدورة الثانية لمهرجان حلالة لفن القول المنظم من 26 إلى 29 دجنبر 2025.
- إليكم ورقة الدكتور محمد رمصيص:
ثمت عدة عقبات تعترض الباحث وهو يقارب تجربة ناس الغيوان شعريا ونغميا منها: أن وجدانه تربى على ألحانها، ووعيه الجمالي تشكل في جزء كبير منه على أشعارها.. ولأنها شديدة القرب منه يصعب عليه تقييم التجربة بموضوعية. ف "شدة القرب تعمي" كما يقول المتصوفة.
 
ثانيا: هناك عائق ثان كون التجربة لازالت ممتدة في الزمان وأخذت امتدادات عدة منها حالة التشظي التي تعيشها التجربة فهناك: فرقة عمر السيد، وفرقة علال يعلى.. وفرق أخرى تعتبر نفسها الوريث الشرعي للتجربة.. وامتداد التجربة في الزمان والمكان يجعلها غير مكتملة؛ الأمر الذي يجعل الحكم عليها مبتورا بالضرورة.
 
لكل هذه الإعتبارات أرى لزاما رفع الكثير من اللبس والتعمية التي أحاطت بالتجربة حتى نسقط عنها البعد الأسطوري الذي أضفاه بعض المحبين، ربما دون قصد منهم.. فصاحب الحاجة أعمى كما يقال. وإن كانت الملاحظات التي سنبدي لا تنتقص من كون فرقة ناس الغيوان خلقت ملحمة شعبية أصيلة...فالغناء المغربي في مطلع السبعينات كان أمام خيارين: إما استنساخ الأغنية الشرقية، أو التماثل مع التجربة الغربية. وهنا تكمن فرادتنا في اجتراحها طريقا ثالثا هو مغربة الغناء. أما الملاحظات فهي كالتالي:
 
أولا: هناك لبس على مستوى تاريخ تشكل المجموعات الغنائية بالمغرب؛ بحيث يبدأ وفرة من الباحثين بفرقة ناس الغيوان والحال أن هناك فرق غنائية سبقتها للوجود أقلها فرقة "الإخوان مكري". صحيح جدا أن فرقة ناس الغيوان تأسست سنة 1971 بعد أن غنت بمسرح الطيب الصديقي قطعة "الصينية" سنة 1968 فضلا عن قطعة "قطتي صغيرة". لكن فرقة "الإخوان مكري" بدأت تسجيل أغانيها بالإذاعة الوطنية في مطلع الستينات في (شكل ثنائي) حسن ومحمود وسنة 1965 التحقت بهم الأخت الصغرى جليلة، فيونس مكري بعد ذلك وهو الحائز على الأسطوانة الذهبية سنة 1972 بأغنية "ليلي طويل". هنا أتجاوز الاصطفاف المجاني نحو جناح وصف تجربة "فرقة مكري" ب "تغريب" الأغنية المغربية وتبعات صراع من كان يمثل الأغنية الرسمية مع كل شكل غنائي مختلف عنها!! 
 
ثانيا: جغرافية التأسيس. هناك من يجعل تجربة ناس الغيوان رهينة بالحي المحمدي والحال أن مولاي عبد العزيز الطاهري مراكشي المنشأ ملحوني الهوى. كما أن عبد الرحمان باكو صويري الزيادة وكناوي المنزع. بل حتى العربي باطما الذي يحسب على الحي المحمدي التحق بناس الغيوان ووجدانه مشحون بصوت الشاوية ومعجمها الرعوي يكفي العودة لديوانه "حوض النعاع" لنتلمس ذلك. وقس على ذلك همر السيد السوسي الخلفية وبوجميع الصحراوي المنشا.
 
ثالثا: هناك أسطورة الأمهات اللواتي كتبن قصائد الفرقة والواقع غير ذلك، صحيح أنهن قدمن مطلع أو مطلعين للأبناء دون أن يتعدون ذلك.. وهو حال الأم حادة التي أمدت العربي باطما بمطلع "حلاب بويا الحليب" و "راه يحوم أهاه" ومطلع "أخي ما بقى حد يسول في حد" الذي قدمته الأم خديجة لابنها بوجميع...لكن دون كتابتهن لقصائد كاملة...وبصرف النظر عن هذا الزعم، وبالاحتكام للمنطق لا يعقل أن تكتب الأم - وهي واهبة الحياة للابن الذي يعتبر امتدادا وجوديا ووجدانيا لها - أن تمده بنص يؤذي به إلى السجن. 
 
ويلزمنا في هذا السياق استحضار قصيدة "ما هموني غير الرجال إلا ضعوا/الحيوط إلا رابوا كلها يبني دار" دون أن ننسى القصيدة التي سخرت من السلطة وهي على كل حال للشيخ بن علي المسفوي المراكشي يقول فيها:
"سبحان الله صيفنا ولى شتوى
ورجع فصل الربيع ف البللدان خريف.
 (…) إلى أن يقول:
جور الحكــام زادنا تعـــــب وقســـوة
لا راحة والعباد ف نكد وتعسيــــــف
والحاكم كا يصول كايقبط الرشـــــــوة
والشاهد كايدير ف الشهادة تحريــف"
 
واللافت للإنتباه أن هذه الفترة التي عرفت بالخوف والتوجس أنتجت أجرأ القصائد المتغنى بها.
رابعا: الموت الغامض لبوجميع وربطه بالعميلة "شامة" التي حسبت على المخابرات المغربية...والحال أن بوجميع كان ضئيل البنية الجسدية؛ بنية لم تتحمل تناوله لمواد معلومة أصابته بقرحة في المعدة الأمر الذي كان خلف وفاته.
 
خامسا: موقف ناس الغيوان السلبي من التغني بالحب...والأجدر بها أن تحتج على جعله الموضوع الوحيد للأغنية الرسمية. أما الحب في حد ذاته فهو من القيم النبيلة التي جعلت الإنسان يخرج من طور الشهوة إلى حالة الرغبة. ومن الجنس إلى الحب.
 
سادسا: بعض المقارنات المغرضة التي كانت توضع فيها فرقة ناس الغيوان مع فرق أخرى أقلها مقارنتها ب "جيل جيلالة" التي صورت - حينها - بأنها صنيعة المخزن وجاءت فقط لتشوش على فرقة "ناس الغيوان". والحال أنها ولدت باقتراح من حميد الزوغي على عبد العزيز الطاهري ذات يوم في نهاية سنة 1972 كما صرح الزوغي بذلك ذات حوار.
 
سابعا: تصوير كل القصائد المغناة من طرف ناس الغيوان أنها مرت بالضرورة عبر مخافر الشرطة والحال أن تغيير كلمتين بالتحديد هو الذي وقع حسب تصريح عمر السيد نفسه.

وكما سبقت الإشارة فهذه إضاءات لا تنتقص من قدر التجربة النغمية والشعرية لفرقة ناس الغيوان.
1- الأفاق النغمية لفرقة ناس الغيوان:
نغميا انفتحت هذه التجربة على ألحان "كناوة" و "عيساوة" و "العيطة" وما إليه...وهذا يرجع لتعدد روافد أعضائها فهناك: (الخلفية الصوفية للحكايات الشعبية التي تشبع بها بوجميع في حلقات الحي المحمدي، تكناويت/باكو، الملحون/لطاهري، البصمة السوسية/عمر السيد، العمق الصحراوي/علال يعلى، الخلفية الشاوية/العربي باطما) وبسبب الهوية المركبة للفرقة حملت أغانيها بصمات الغناء العروبي، وعبيدات الرمى، والألحان الأمازيغية، والنغم الكناوي والعيساوي والحمدوشي والحوزي والعيطة وما شابه ذلك...فرقة حرصت على عدم تسليع الفن؛ أقصد بذلك عدم شرائها للحن والقصيدة من شاعر أو ملحن آخر إلا لماما. فأشعار الأغنية عند هذه الفرقة تصدر عن أعضائها في الغالب وكذلك الألحان. وهذا التوجه جاء كرد فعل على تغول الأغاني الرسمية وما ساعد الفرقة على ترسيخ صوتها الضرف السياسي الخاص الذي عبره المغرب عقدي الستينات والسبعينات. 
 
2- ناس الغيوان والشعر المغنى:
إن الأهم بالنسبة لأعضاء فرقة ناس الغيوان الذين وصفوا بالتلاميذ غير النجباء، والذين لم ينهوا دراستهم أنهم نبهوا الشعراء المغاربة وعموم الجمهور المغربي إلى الشعر المغربي الأصيل وهو الملحون...في وقت انصرف أغلبية الشعراء لتقليد التجارب المشرقية...إذ ليس صدفة أنه  في هذه الفترة بالذات سوف يكتب محمد بنيس وبنسالم حميش ديوانيهما بالخط المغربي. وتوجه فريد بلكاهية إلى الرسم على الجلد الطبيعي بالحناء وعمل سهيل بن بركة ومحمد الركاب على مغربة السينما...واللائحة طويلة.
 
شعريا وعلى مستوى الأساليب الأكثر تداولا في تجربة ناس الغيوان حضور أسلوب الاستفهام الذي يروم تنسيب الحقائق وضرب الثقافة الإطلاقية. لنتوقف عند النموذجين التالين:
"فين غادي بي خويا وفين غادي بي؟"
"واش حنا هما حنا يا قلبي ولا موحال؟"
ونحن نعلم أن وظيفة السؤال هي تحفيز الذهن على التفكير النقدي والفضول، وفتح باب الحوار، وقياس مدى الفهم ومراجعة المسلمات. وإلى جانب أسلوب الاستفهام يحضر أسلوب السخرية وذلك بقلب المعنى وتقديم النقد اللاذع بصورة تستدعي الاستهزاء وهو ما صدفناه في القرينة النصية التالية:
"من هو باز فالقفاز / يا من هو فروج عل كندرا نشر جناحو"
وبأسلوب السخرية أصبح الجمهور المغربي ما كان يقوله سرا يتغنى به جهرا. 
 
3- أثر المسرح على أعضاء فرقة ناس الغيوان:
أدرك باكرا أعضاء فرقة ناس الغيوان صلة الشعر بالدراما من خلال اشتغالهم مع الطيب الصديقي على الرغم مما قيل عن توتر العلاقة بينهم...أستحضر هنا التصريح الذي أعطاه الصديقي لمجلة فرنسة عندما قال إن الممثلين عنده ميدان تجارب...تصريح جرح كبرياء أعضاء الفرقة التي فكرت في تأسيس فرقة مستقلة...لكن مع ذلك تعلم أعضاء ناس الغيوان في حجر المسرح الإنصات لصوت الآخر المختلف نغميا وعقائديا...نستحضر هنا غناء بوجميع لأغنية "هكا ماما عطي لماما" وهي من التراث اليهودي الذي سبق لزهرة الفاسية أن غنته إبان ثلاثينات القرن العشرين. بل إن أعضاء الفرقة اكتشفوا أن المسرح يمكنه أن يتخلق من معطف الشعر وهو حال مسرحية "الحراز" التي انحدرت من قصيدة شعرية للشاعر المكي القريشي. في المسرح ميز أعضاء الفرقة بين غنائية الشعر ودرامية المسرح.
 
في المسرح كذلك التقطوا قمة الحوار الدرامي الذي يطور الأحداث وتناميها. لنتوقف عند المثال التالي:
"قالت ليكم وقلنا ليكم
قالت ليكم بنت الغيوان
الله يا تل الزعتر
واش من والى يتوالى
غير ضربوا ولا هربوا
اللي تهرس راه الكرارس.."
 
وهذه القطعة تدخل في باب المرددات الشعبية التي كانت تتغنى بها "اللعبات" في الحواري والأزقة الشعبية زمن الاستعمار الفرنسي.
 
 مشهديا انتصرت فرقة ناس الغيوان للمجموعة بدل المغني المفرد. كرد فعل على التفكيك العائلي التي مارسه الاستعمار الفرنسي. فلا غرابة أن الفرقة غنت أولا قطعة "الصينية" رمز اللمة العائلية. والمجموعة بهذا المعنى تشكل عزاء رمزيا لعري الفردانية...تقول قصيدة "الصينية" والتي حازت بها الفرقة الأسطوانة الذهبية سنة 1973:
"ويا ندامتي ويا ندامتي
مال كاسي تايه تينين
زاد علي الحزان
مال كاسي باكي وحدو
مال كاسي نادب حظو
مال كاسي يا وعدو هذا نكدو
آه يا الصينية.."
 
مشهديا دائما حضر طقس الإنشاد الجماعي والرقص على الركح لأعضاء الفرقة ضدا على الرزانة المزعومة للمغني المفرد. وهي أمور ترفع الكلفة بين الفرقة والجمهور.. فرقة تستثمر التهليل، والمناداة، والدعاء، والنداء...وهي تقنيات وافدة للفرقة من طقوس الليلة الكناوية. وبالموازاة لهذا ظلت أشعار الفرقة مفتوحة على الذاكرة الجمعية. لنتأمل المقطع الشعري التالي:
"فين غادي بي خويا". لنتأمل المقطع التالي:
"أنا ما نسيت البندير، أنا ما نسيت القصبة
أنا ما نسيت الموسم والخيل سربة سربة
أنا ما نسيت الكور ولا مجمع الطلبة
أنا ما نسيت دواري يا بلاد القصبة
أنا ما نسيت العشرة ولا كمح الرحبة
أنا ما نسيت حياتي يا ناس المحبة
أنا ما نسيت ناسي خيت هذي نكبة."
 
والفرقة تحاول استثمار التراث المغربي حرصت على توظيف القناع والرمز حيث حضر مثلا الحداد باعتباره خصما طبقيا للعامل في قصيدة غير خذوني:
" غير خذوني
قلبي جا بين
يدين الحداد
حداد ما يحن
ما يشفق عليه
ينزل ضربة
على ضربة
 والى برد
زاد النار عليه."
 
نخلص إلى أن فرقة ناس الغيوان حققت رصيدا محترما حازت به على جوائز أهمها جائزة فرسان الفنون والأدب في فرنسا. لكن أهم جائزة في اعتقادي الخاص هي جائزة حب الناس في العالم إبان عقد السبعينات وصعودا.. حب وثق له المخرج المغربي أحمد المعنوني بفيلم تحت عنوان "الحال" كما استثمر المخرج الأمريكي مارتن سكور تزي في فيلمه" الإغراء الأخير للمسيح".