المصطفى حمزة: خذوا العبرة من تاريخ ذاكرة جغرافيا "وَادِي كَاشْكَاطْ"

المصطفى حمزة: خذوا العبرة من تاريخ ذاكرة جغرافيا "وَادِي كَاشْكَاطْ" مشاهد لوَادِي كَاشْكَاطْ
يبدو أن أهمية مياه "وادي كشكاط"، خلال هذه الفترة، كانت حاضرة بشكل قوي في أجندة المسؤولين الفرنسيين، وذلك لما للمياه من أهمية بالنسبة للإنسان، ولعملية البناء، وتنشيف الفوسفاط، وسقي الأشجار...، ومع ذلك كان لا بد من استحضار ما يمكن أن يترتب عن هذه المياه من كوارث أثناء الفيضانات، خاصة وأن الوادي كان يخترق المدينة التي شرع الفرنسيون في تهيئتها، ومن هنا تم التفكير في حلين لتجاوز هذه المعضلة.  
 
- الحل الأول:  - تمثل في إقامة "مشروع سقي" على طول امتداد وادي " كشكاط "
- الحل الثاني: كان هو التخلي عن مشروع السقي، والعمل على تغيير مجرى وادي كشكاط، وهو ما يستفاد من كلام السيد مارتان M. Martin " ":« لبناء القرية الفوسفاطية في المكان الذي تتواجد به اليوم، كان لابد من تغيير مجرى وادي كشكاط وذلك بتشييد سد صغير». 
وهكذا سيعمل الفرنسيون على بناء سد صغير الحجم بالمجرى الأول للوادي بالقرب من (حي الصهريج/المنار)، والذي كان يمر من وسط المجال الذي تتواجد به الحاضرة الفوسفاطية، فقد كان الوادي يمر بالقرب من مقبرة النصارى، ثم الكنيسة، ويتجه نحو نادي المستخدمين، ثم يعبر المكان الذي تتواجد به اليوم قنطرة حي الرمل (حاليا يسمى حي التقدم)، ليصب في المكان الذي يتواجد به اليوم حي الرمل، وحي العرصة ( يسمى حي السمارة حاليا)، وغابة العروگ، وهذا ما يؤكده تواجد أسماء لها علاقة بالمجرى الأصلي للوادي: (حي العرصة، وحي الرمل).
  
وعند بناء السد تم تحويل مجرى الوادي في اتجاه الجزء الجنوبي للمدينة، الذي كان آنذاك فارغا من السكان، وتم حفر مجرى له بمواصفات علمية عالية، تراعي الوضعية الطبوغرافية وحدة الانحدار، وبذلك أصبحت مياه الوادي في الفترات الكثيرة الأمطار تتجه صوب حي الراية، ( حي السلام حاليا) ، و(حي الريطب) ثم غابة الفواشخ المعروفة باسم غابة العروك.
 
ورغم قوة انحدار الوادي والتي تنطلق من أعلى نقطة ارتفاع: 408 متر عند منبع الوادي، إلى أخفض نقطة ارتفاع 284 متر عند المصب (حي الريطب، وغابة العروگ)، فلم يتسبب "وادي كشكاط " في كوارث طبيعية للسكان ولمجاله الجغرافي في تلك الفترة وذلك بسبب العوامل التالية: 
- كون المجرى الذي شيده الفرنسيون كان بمواصفات علمية دقيقة، وظل محافظا على نظافته وخاليا من النفايات والأتربة، بفعل العناية التي كان يحظى بها
- كون ضفتي المجرى الجديد، كانتا فارغتين من البنايات. 
- ويبدو أن الثقافة التي كان متشبعا بها الإنسان المغربي آنذاك، ويعمل وفقها أثناء عمليات التشييد والبناء، هي ثقافة تجد ترجمتها في اختيار الإنسان للموقع الذي يشيد فيه سكنه، والتصاميم التي يضعها لهذا السكن، وهكذا نجد على مستوى المجال الجغرافي لبلاد أحمر ومن ضمنه مدينة اليوسفية آنذاك، أن كل الدواوير مشيدة في مناطق آمنة ومرتفعة (إما فوق تل، أو بسفحه، أو هضبة...)، والدور المكونة لهذه الدواوير تكون أبوابها في غالب الأحيان في اتجاه الشرق، لكي لا تسمح بدخول مياه الأمطار إلى الغرف، أما الواجهة الخلفية للسكن التي تكون مقابلة لجهة تساقطات الأمطار (عين الشتا)، فتكون محصنة عن طريق التبليط من طرف صاحب السكن. 
 
يلاحظ أن هاذين العاملين، كان لهما دور أساس في عدم خروج النهر عن مجراه، ووقوع فيضانات وكوارث، وذلك رغم السنوات المطيرة التي عرفها المغرب خلال فترة الحماية الفرنسية ومنذ بداية الاستقلال إلى بداية الألفية الثالثة.  
يتبع