في هذا الحي الشعبي، اليوسفية، الواقع بين خمس دقائق من أكدال وعشر من حي الرياض، تأخذ الحياة كل مساء شكلاً بسيطاً وصادقاً، يكاد يكون بدائياً: رجال ونساء تجمعهم رائحة اللحم الساخن والكفتة المشوية، يشتركون في الحاجة نفسها، في الجوع نفسه، في الحركة نفسها حين تمتد اليد مقابل غرامات قليلة من اللحم او الكفثة، ولحظات قصيرة من الدفء.
من السابعة إلى العاشرة ليلاً، يتحرّك الطابور الصغير ببطء، كسبحة من ظلال بشرية حيّة.
شباب وكهول، نساء مستعجلات، عمّال أنهكهم النهار… جميعهم يتوقفون أمام الجزار، يلمع سكّينه تحت الضوء وهو يقطع قطع اللحم ويرميها في آلة الفرم.
اللحم المفروم " الكفثة" جاهز "ة"
بخطوتين فقط، يقف شاب بوجه تضيئه النار، يضع المائتي غرام والثلاثمائة غرام على الصفّاحة الحارّة " الشواية".
الطماطم تصفر، البصل يتلوّن، وشيء من التوابل يعطر هواء المساء.
بثلاثين أو أربعين أو خمسين درهماً، يحصل المرء على عشاء بسيط لكنه عادل، فرحة متواضعة، تكاد تشبه رفاهية صغيرة لطبقة متوسطة تبحث عن هدنة بعد يوم طويل.
وعلى بعد خطوات قليلة فقط، يظهر عالم آخر: عالم السردين بخمسة عشر درهماً، نعمة البحر لأفقر الفقراء.
ومع ذلك، الكرامة قائمة.
الأيادي تمتد، الخبز يُفتح، والسردين يهمس بحرارته.
في هذه الحركات المتكررة، يجد كل واحد يقيناً صغيراً، طريقة يقول بها: ما زلنا واقفين صامدين.
لكن هذا المساء، شيء ما اهتز.
شرخ خفيف، تافه في ظاهره، لكنه يبوح بالكثير.
اللحم المفروم " الكفتة" موجود، معروض لكل من يريد أن يأكل.
لكن الخبز… غاب.
ينتشر الخبر بسرعة النفس القصير:
«كاينة الكفتة… ما كاينش الخبز.»
غياب أو عبث صغير خرج من أبسط الأشياء.
كيف يبقى اللحم، وهو الأغلى والأندر والأكثر هشاشة، بينما يختفي الخبز، هذا الرفيق العتيق، أساس كل وجبة؟
كيف يجد حيّ بسيط نفسه يتيماً من تلك الخبزة الدائرية التي تساعده على ابتلاع تعب اليوم؟
الجزار يهز كتفيه في حرج.
الشاب المشوّي يحدّق في جمره بصمت.
الناس تهمهم.
هذا المساء، اختلّ ترتيب العالم: أصبح اللحم أكثر وفرة من الخبز.
لبعضهم، هي علامة اجتماعية واضحة: فالخبز—الأقل ربحاً، الأصعب إنتاجاً، والأكثر عرضة للتلف—صار الحلقة الأضعف في السلسلة الغذائية.
ولآخرين، الأمر مجرد صدفة يومية: صاحب الدكان لم يشترِ ما يكفي من الخبز المدور… لا أكثر.
لكن خلف هذه الظاهرة، شيء أعمق يلوح.
فالخبز في هذا البلد ليس مجرد طعام.
إنه حضور.
رمز.
يقين.
اللحم قد يغيب، السمك قد يغلُ، الطماطم قد تختفي شهراً أو شهرين، لكن الخبز… يجب أن يبقى.
حين ينقص الخبز، ينهار شيء في الطقوس اليومية، ويتسلل شرخ صغير يحكي أكثر مما تخبرنا به أسعار الدقيق.
ومع ذلك، تستمر الحياة.
يعود الرجال إلى بيوتهم، اللحم في الأكياس… بلا رفيق.
النساء يقلّبن الكيس الدافئ، يتساءلن كيف يكون العشاء بلا تلك الخبزة المدورة الطرية.
الشاب يطفئ ناره ببطء، كأن المساء فقد جزءاً من معناه.
هذا المساء، في حيّ يقع بين أكدال وحي الرياض، لم يغب الخبز فقط.
غاب معه يقين صغير من يقينات اليوم، وظهر خلف دخان المشاوي ذلك التوازن الهشّ، الاقتصادي والاجتماعي، لمدينة كاملة.