تدمري عبد الوهاب: الصحراء وبلاد الريف.. أو المدخل الترابي للانتقال إلى الدولة الديمقراطية المركّبة والبسيطة

تدمري عبد الوهاب: الصحراء وبلاد الريف.. أو المدخل الترابي للانتقال إلى الدولة الديمقراطية المركّبة والبسيطة د. تدمري عبد الوهاب
قبل الترافع على حق الجهات التاريخية في الأوطونوميا على غرار ما يمكن أن تتمتع به الأقاليم الصحراوية، لا بد من الوقوف عند أسباب تفضيل استعمال مصطلح الأوطونوميا بدل الحكم الذاتي:
أولاً: إن مصطلح الأوطونوميات الجهوية اقترن في التجارب السياسية الغربية بتطور أنماط الحكم الديمقراطي في إطار تعاقدات اجتماعية ودستورية داخلية، تجسد فعلياً مبدأ إشراك الجهات في الحكم والثروة محلياً ووطنياً دون تدخلات خارجية.
 بالتالي، فإن استعمال هذا المصطلح، وذلك على غرار استعمال مصطلح الديمقراطية، لا ينتقص في شيء من لغة لم تُنتج في قاموسها السياسي ما يفيد ذلك، لأن مصطلح الأوطونوميا يعكس إرادة داخلية لتطوير شكل الدولة ونظام الحكم بعيداً عمّا تفرضه القوانين الدولية التي تخص حصرياً مناطق النزاعات المسلحة والعرقية والدينية عبر العالم، أو ما يسمى بالأقاليم التي لا تتمتع بالحكم الذاتي، والمقصود هنا المستعمرات السابقة.
ثانياً: لأن الحكم الذاتي في الخطاب السياسي العربي لا زال بعيداً عن المفهوم الذي تحدثنا عنه أعلاه، وليس هناك تجارب لأشكال حكم قائمة على ذات المفهوم. والمناطق القليلة التي تتمتع بهذا الشكل من الحكم ارتبطت بنزاعات مسلحة وميول انفصالية كتجربة الأكراد في كل من سوريا والعراق وجهة الصحراء الغربية. وهذا لكون النظام السياسي العربي قائماً على مفهوم الحكم الشمولي القومي المطلق الذي يتحكم في السلطة والثروة، رغم ما نراه من تعددية سياسية شكلية في بعض البلدان.
 بالتالي، فإن الحكم الذاتي في الاصطلاح العربي ليس نتاج تعاقدات اجتماعية داخلية أملتها شروط ذاتية وموضوعية في مسار التجربة الديمقراطية الداخلية لهذه الدول، بل هو وضع أنتجته الطبيعة الشمولية لهذه الأنظمة التي لم تستطع الإجابة على التعدد والتنوع داخل مجتمعاتها، وأملته كذلك التدخلات الخارجية لبعض الدول التي تجد مصلحة في تأجيج هذه النزاعات.
بالتالي، فإن اعتماد مصطلح الأوطونوميا بالنسبة للتجربة المغربية في الأقاليم الصحراوية التي أُريد لها أن تكون تحت السيادة المغربية، وأن تُؤطَّر ضمن القوانين الدستورية الداخلية، يعد مناسباً أكثر. لكن شريطة أن تكون هذه التجربة مقدمة لتعميمها ولو بشكل متدرج إلى باقي الجهات التاريخية التي تتوفر فيها الشروط لاحتضان هذا الشكل من أنماط الحكم الديمقراطي الذي ينتقل بالدولة من إطارها المركزي إلى إطار الدولة المركبة البسيطة أو دولة الأوطونوميات الجهوية.
وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، وفي إطار الترافع دائماً على حق الجهات التاريخية في المغرب في التمتع بحقها في هذا الشكل اللامركزي من الحكم، لا بد من الحديث هنا عن المنطقة الشمالية أو الريف الكبير الذي يتمتع بإرث طويل في الجمع بين خاصيتين شكّلتا شخصيته التاريخية التي تنزع إلى الحرية والحق في تسيير شؤونه الذاتية من جهة، وحرصها الشديد على الدفاع عن وحدة الوطن سواء إبّان المرحلة الاستعمارية أو بعدها.
ودون الرجوع إلى مراحل تاريخية قديمة نسبياً حين كانت بلاد المغرب عبارة عن إمارات ودول صغرى في غياب دولة مركزية قوية موحدة لعموم البلاد، وأخص بالذكر المرحلة التي تواجدت فيها الدولة البرغواطية على الأطلسي، وإمارة سجلماسة في الجنوب، وإمارة الأدارسة في الوسط، وإمارة النكور في الشمال/الريف… بل بالرجوع فقط إلى مرحلة الدولة العلوية، خاصة في أواخر القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، حيث نجد أن تطوان كانت عاصمة جهوية تقوم بمهام دفاعية وتجارية وحتى دبلوماسية. وكانت عائلة آل الريفي تحظى بأدوار قيادية في هذا المجال، وشاركت السلطان في الكثير من المعارك لطرد الاستعمار من بعض الثغور كطنجة وأصيلا والعرائش، خاصة مع القائد أحمد بن حدو الريفي الحمّامي الذي عيّنه السلطان المولى إسماعيل باشا على الشمال. وكانت منطقة نفوذه تمتد من طنجة شمالاً إلى مصب سبو غرباً إلى تازة عمقاً ومصب ملوية شرقاً.
كما أن هذا الوضع، ورغم اختلاف الظروف السياسية وضعف السلطة المركزية لاحقاً، إلا أن شمال المغرب أو الريف استمر في التمتع بجهوية تقليدية أساسها البيعة والتحصيل الضريبي. وبالرغم من بعض مراحل التوتر التي سادت العلاقة بين أهل الريف والمركز، إلا أن الريف، وخلال بداية القرن العشرين، كان في صلب الأحداث من جديد، حيث تصدت قبائله لمحاولة التمرد التي قادها الجيلالي الزرهوني الملقب بـ"بوحمارة" ضد السلطان عبد الحفيظ، وهزموه في معركة سهل النكور بالريف الأوسط ليتم اعتقاله وإعدامه لاحقاً في فاس سنة 1909. علماً كذلك أن نفس هذه المرحلة شهدت مقاومة ريفية ضد الاستعمار الإسباني قادها الشريف محمد أمزيان الذي استشهد في ماي 1912.
وذلك قبل مرحلة قصيرة من ظهور مقاومة أخرى أكثر شراسة استطاع من خلالها المجاهد الأمير محمد بن عبد الكريم تحرير كامل منطقة الريف من الاستعمار الإسباني، والتي شملت كلا من القصر الكبير غرباً، ووادي ورغة جنوباً، وحوض ملوية شرقاً. وعمل على تشكيل حكومة محلية لتدبير شؤون أهل الريف الكبير، وعيّن قضاة على مختلف مدن الشمال، وذلك بشكل مواز لاستمرار عمليات الجهاد والمقاومة ضد الفرنسيين على وادي ورغة، كل هذا قبل أن تتحالف ضده القوتان الاستعماريتان، إسبانيا وفرنسا، في ماي 1926.
كما أن السلطات الاستعمارية، بعد أن بسطت سيطرتها على بلاد الريف، وبعد أن خبرت طباع أهلها، عملت على ترك كل ما هو مرتبط بتسيير الشؤون المدنية للسكان المحليين. وعمل السلطان بالمقابل على تعيين المولى حسن بن المهدي خليفة له على هذه المنطقة، وذلك في يونيو 1926 وحتى أواخر سنة 1956. مع العلم كذلك أن بلاد الريف شهدت ابتداء من عقد الثلاثينات حركة مقاومة سياسية خاصة في مدينة تطوان، التي شكلت مرة أخرى مركزاً ثقافياً وفكرياً وسياسياً لرجالات المقاومة الشماليين، وملجأ كذلك لكل المقاومين المغاربة الذين كانوا يفرّون من بطش الاستعمار الفرنسي في الوسط والجنوب المغربي. وشكلت بذلك تطوان مركزاً مهماً في صناعة القرار الوطني، إضافة إلى أنها كانت أول مدينة شهدت ميلاد جرائد وأحزاب جهوية ومحلية، وذلك قبل أن تعمل الحركة الوطنية الفاسية والرباطية على تهميش دور الشمال ونخبه الفكرية والسياسية، ونقل مركز القرار إلى الرباط خلال مرحلة المفاوضات على الاستقلال مع الفرنسيين.
أما هذا التاريخ العريق والغني لبلاد الريف، سواء إبّان مرحلة المقاومات الجهادية الممتدة إلى القرن السابع عشر، أو إبّان المقاومة السياسية والفكرية لاحقاً التي بدأت مع مرحلة الثلاثينات والأربعينات وحتى المسلحة في الخمسينات، وما اتسمت به كل هذه المراحل من نزوعات نحو التسيير الذاتي، كل هذا حفر عميقاً في ذاكرة أهل الريف، وكان دائماً حافزاً لدى نخبه الفكرية والثقافية للمطالبة بحقهم في تسيير شؤونهم الذاتية. وهو ما عبّرت عنه بعض الانتفاضات الجماهيرية بعد الاستقلال، خاصة سنوات 1958–1959 و1984، واحتجاجات شعبية أخرى لاحقة تميزت بالحضور الكثيف لهذه الذاكرة الجماعية السالفة الذكر.
كما أن هذا الوعي الجمعي المرتبط بتنامي الإحساس بالانتماء القوي لبلاد الريف والشمال وتاريخه العريق والغني، هو ما يميزهم عن مناطق كثيرة في المغرب، وهو ما يشكل كذلك حافزاً للاستمرار في رفع نفس المطالب. بل إن هذا الإحساس القوي بالانتماء هو الذي يتمظهر في لاوعي أهل الوسط والجنوب المغربي في وصفهم لأهل مناطق الريف بـ"الشماليين".
إن استحضارنا لهذا الموروث النضالي والحضاري لمنطقة بلاد الريف في هذه المرحلة ليس من باب المزايدة على جهات أخرى، ولا من باب المقارنة مع ما تشهده أقاليمه الصحراوية الجنوبية من تطورات تتجه إلى تمكينها من تسيير شؤونها الذاتية في إطار حكم ذاتي تحت السيادة المغربية، بل فقط من أجل لفت انتباه القائمين على الشأن الوطني إلى أن التعديلات الدستورية المرتقبة، التي يريد لها البعض أن تهتم حصرياً بمستجدات جهة الصحراء وبكيفية استحضار الحكم الذاتي فيها، دون أن يكون لهذه التعديلات بعد وطني يجيب على فشل منظومة حكم مركزية بأكملها، موروثة من الحقبة الاستعمارية، في معالجة قضايا التنمية والديمقراطية والعدالة المجالية والترابية، ودون أن يجيب على انتظارات تاريخية لجهات ترابية بعينها، بلاد الريف نموذجاً.
وإن حصر التعديلات في جهة الصحراء الغربية قد يثير نزعات متطرفة في بعض الجهات الترابية، لأن هذا الاستثناء سيزيد من مشاعر التهميش والإحساس بالدونية لدى المغاربة مقارنة بأهالي الصحراء. بالتالي، فإن أي تعديل دستوري مرتقب يجب أن يضع الحكم الذاتي في هذه المنطقة ضمن إطار التحولات العامة التي ستهم شكل الدولة وشكل السلطة، وتؤسس لمرحلة جديدة انتقالية أساسها الانتقال المتدرج من الدولة المركزية إلى دولة الجهات السياسية أو الأوطونوميات الجهوية المتضامنة، مع التنصيص دستورياً على أحقية الجهات في إعمال هذا الحق عندما تستوفي شروط نجاح هذا المطلب الذي يجب أن يكون منصوصاً عليه دستورياً.