سألني أحد الإخوة في البرازيل في حديث خاص: كيف تجيز الاحتفال بالمولد النبوي وهو بدعة لم يأت بها الشرع؟ فأجبته متسائلاً: ومن قال إن الاحتفال بمولد الهادي الكريم بدعة؟ وما معنى البدعة عندك؟ فأوضح بأن البدعة هي كل ما استحدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفعله، عندها أدركت أن هذا التصور يختزل الدين في فهم قاصر، إذ يخلط بين البدعة المحرمة التي تمس صلب العبادات، وبين ما استجد من أمور الدنيا التي لا تتعارض مع نصوص الشرع ولا مع مقاصده.
فالبدعة المذمومة والمحرمة هي ما يغيّر في أحكام العبادات التي نص عليها الشرع، كالصلاة والصيام والحج والزكاة، كأن تجعل مثلا من صلاة العصر 5 ركعات؛ أما ما استجد من مصالح نافعة للمسلمين في حياتهم، فلا يدخل في هذا الباب، ولنا في تاريخ الإسلام شواهد كثيرة، أبرزها جمع القرآن الكريم في مصحف واحد وتقييده بالنقط والحركات، وإنشاء المحاريب وتزيين المساجد، وهي كلها أمور لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك أقرها العلماء ورأوا فيها مصلحة راجحة، حتى جعلوا المصلحة مصدراً من مصادر التشريع تحت اسم "المصالح المرسلة".
ومن أمثلة ذلك ما ابتكره المسلمون بعد عصر النبوة من احتفالات دينية واجتماعية، كحفل ختم القرآن الكريم أو ختم صحيح البخاري، أو ما تقوم به بعض القبائل المغربية من احتفال بسلطان الطلبة تشجيعاً على طلب العلم وحفظ القرآن الكريم، وهذه كلها مظاهر فرح مشروعة لأنها لا تدخل في دائرة العبادات، مثلها مثل الاحتفالات بالذكريات الوطنية التي تقيمها الشعوب اليوم، لإدخال السرور على الناس وربطهم بأوطانهم. فهل يعقل أن نحرّم هذه المظاهر بدعوى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بهذه الذكريات الوطنية والدينية؟.
وإذا نظرنا إلى الحرمين الشريفين، بمكة والمدينة نجد أن ما أدخل عليهما من اصلاحات وتنظيمات وتحديثات لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة، ومع ذلك فهي اليوم ضرورة لا غنى عنها لحفظ أرواح الحجاج وتيسير عباداتهم، من بناء الطوابق في الطواف والمسعى، إلى استخدام مكبرات الصوت ونقل الصلوات عبر البث المباشر، فلو تمسكنا بفهم ضيق للبدعة، لكان علينا أن نرفض كل هذه الإصلاحات ونصفها بالحرام، وهو قول لا يقوله عالم معتبر..إن الذين يرفضون الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم يتجاهلون باباً عظيماً في الفقه الإسلامي يسمى "باب التروك"، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك أشياء كثيرة ولم يفعلها؛ لكنه لم يمنع الأمة من القيام بها متى كانت فيها منفعة ومصلحة.
فليكن المولد النبوي مناسبة للتعبير عن محبتنا لرسول الرحمة، وفرصة لتعزيز صلتنا بهديه وأخلاقه، ما دام ذلك في إطار الفرح المشروع الذي لا يناقض مقاصد الشرع. وكل عام وأنتم بخير بمناسبة مولد الهادي الكريم ، الذي أرسله الله رحمة للعالمين .