عبد المجيد طعام: التطهير العرقي في فلسطين (5)

عبد المجيد طعام: التطهير العرقي في فلسطين (5) عبد المجيد طعام
قرار الأمم المتحدة 181 تقسيم وتدمير فلسطين
بداية دجنبر 1947 ، حينما بدأت الحركة الصهيونية عمليات التطهير العرقي في فلسطين، ، كانت البلاد تضم "مزيجًا" من الفلسطينيين واليهود، كان الفلسطينيون يشكلون ثلثي السكان ، بينما الثلث الباقي  كان يتشكل من المستوطنين الصهيونيين واللاجئين القادمين من أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. 
منذ نهاية القرن التاسع عشر، كان الفلسطينيون يطالبون بحق تقرير المصير، في إطار هوية عربية ، ثم بعد الحرب العالمية الأولى، وعدتهم بريطانيا بالاستقلال ،وتأسيس دولة وطنية ديمقراطية على نسق ما تم إنشاؤه في الشرق الأوسط ، غير أن بريطانيا كانت تقدم وعودا فارغة للفلسطينيين  ،ففي سنة 1917 ستطلق الحكومة البريطانية وعد بلفور الذي يتناقض مع انتظارات الفلسطينيين ، حيث ستقدم للحركة الصهيونية وعدا رسميا يضمن خلق  وطن لليهود في فلسطين ، التي ظلت بلدا عربيا إلى حدود  نهاية الانتداب. 
معظم الأراضي المزروعة كانت تعود إلى الفلسطينيين ، وقد فشل قادة الحركة الصهيونية في إقناع المهاجرين اليهود بالاستقرار في الريف الفلسطيني  ، كانوا يفضلون التوجه نحو المدن، لذا كانت معظم المستوطنات الصهيونية في الريف بعيدة جدًا عن بعضها البعض، في بعض المناطق، مثل الجليل في الشمال والنقب في الجنوب، كانت المستوطنات تشبه القلاع المحصنة ، كانت تصاميمها وتحصيناتها تستجيب للوازع الأمني أكثر من السكن البشري، وهذا ما شكل تناقضاً غريباً بين المستوطنات اليهودية والمساحات المفتوحة للقرى الفلسطينية التقليدية، حيث كان من الممكن الانتقال من المنازل المبنية بالحجارة الطبيعية إلى الحقول المجاورة  والبساتين ومزارع الزيتون المحيطة بها، بكل حرية ودون وجود أي  عائق. 
رغم  قلة اليهود الذين استقروا في الريف الفلسطيني إلا أن تواجدهم شكل مشكلة كبيرة لأولئك الذين كانوا يحاولون حل النزاع المتصاعد بين الفلسطينيين واليهود عن طريق التقسيم،  تجلت المشكلة بوضوح في التباين بين المناطق الريفية والحضرية في فلسطين، إذ تظل المناطق الريفية، التي تمثل أكثر من ثلاثة أرباع المساحة الإجمالية، مركزًا للهوية الفلسطينية والتماسك الوطني،  بينما في المدن، كانت الأوضاع مختلفة، حيث تشير المعطيات إلى التقارب الديمغرافي بين الفلسطينيين واليهود.
 في الأصل كانت فكرة التقسيم التي جاءت بها الحكومة البريطانية  مجرد حل إداري، ومع مرور الوقت وتسارع الأحداث ، أصبح محورًا أساسيًا لسياسة الصهيونية وذلك اعتبارًا من عام 1937. قدم البريطانيون خيارات أخرى مثل إنشاء دولة ثنائية القومية، أو تقسيم فلسطين إلى كانتونات (على غرار النموذج السويسري)،تم رفض كل المقترحات التي عرضتها بريطانيا على الطرفين ،في النهاية تخلت لندن عن محاولة إيجاد حل للنزاع المتصاعد، وفي فبراير 1947، طرحت المسألة الفلسطينية أمام أنظار هيئة  الأمم المتحدة ،دون مراعاة مصالح ومطالب الفلسطينيين ، بعد أن تم قبول مقترح التقسيم بإجماع من طرف  الحركة  الصهيونية .  
تبنت الأمم المتحدة التي تأسست سنة 1945 ،خطة التقسيم المعتمدة سنة 1947 ، وفوضت النظر فيها  إلى لجنة خاصة عرفت باسم اللجنة الدولية الخاصة بفلسطين (UNSCOP)، على الرغم من أن أعضاءها كانوا يفتقدون إلى الخبرة في حل النزاعات ولا يعرفون تاريخ فلسطين وطبيعة الصراع بين الحركة الصهيونية والشعب الفلسطيني ، في غياب قراءة محايدة للملف ، قررت هذه اللجنة ، تبني التقسيم كمبدأ رئيسي لحل الصراع بين الفلسطينيين واليهود.
أوصت اللجنة الدولية الخاصة بفلسطين الجمعية العامة للأمم المتحدة، بتقسيم فلسطين إلى دولتين مترابطتين على شاكلة النظام الفيدرالي، وإنشاء وحدة اقتصادية بين بينهما  ، والإعلان عن وضع خاص لمدينة القدس التي ستصبح كيانا منفصلا، تحت إدارة دولية تسهر عليها  الأمم المتحدة. كان يتوقع من التقرير النهائي للجنة الدولية الخاصة بفلسطين أن تقسم الأرض مناصفة بين  الدولتين ، واعتماد الديمقراطية الليبرالية . في خضم هذا التباس والتحيز للكيان الصهيوني والتنكر لمطالب الفلسطينيين  خرج إلى الوجود  القرار  رقم 181 للجمعية العامة يوم 29 نوفمبر 1947. من الواضح أن الأمم المتحدة، بتصويتها على قرار التقسيم، قد تجاهلت تمامًا التركيبة العرقية لسكان فلسطين ، بل سطت على الحق الشرعي للفلسطينيين في امتلاك كل أرضهم ،  لكن نفترض أننا سنجاري منطق هيئة الأمم المتحدة ونقر افتراضا بفكرة التقسيم التي هي أصلا غير قانونية، فإذا كانت قد قررت أن مساحة الدولة اليهودية المستقبلية تتوافق مع الأراضي التي استقر بها اليهود، فهذا يعني  أن  نسبة الأراضي التي كان على اللجنة أن تمنحها للحركة الصهيونية  لا يجب أن تتجاوز 10٪ من فلسطين ، لكن ونتيجة التحيز للحركة الصهيونية ، قبلت الأمم المتحدة كل مطالبها ،واعتبرتها شرعية تعوض بها ما أصاب  اليهود في ما يعرف باسم المحرقة النازية في أوروبا، كانت الأمم المتحدة سخية ومنحت للحركة الصهيونية الحق في الحصول على أكثر من نصف أرض فلسطين  .
إذا كان أعضاء اللجنة الدولية الخاصة بفلسطين (UNSCOP) قد تبنوا وجهة نظر الحركة الصهيونية ، فذلك مرده أيضا  إلى القيادة الفلسطينية المؤلفة من أرستقراطية المدن  ، الني أظهرت  في العديد من المواقف عجزًا حقيقيًا في القدرة على تمثيل الشعب الفلسطيني ، ما تسبب في ارتفاع نسبة الاستياء من هذه القيادة ، خاصة بعد فشلها في مواجهة فكرة التقسيم التي خدمت مصالح الحركة الصهيونية . 
من المعلوم أن الجامعة العربية تأسست سنة 1945 ، يعني أنها كانت مهيكلة سنة 1947 ، سنة إصدار قرار 181 القاضي بالتقسيم المجحف لفلسطين ، وقد عملت الجامعة العربية سنة 1948على تأسيس اللجنة العليا العربية، المعروفة أيضًا بالجهاز الحكومي الأولي للفلسطينيين، وهي هيئة سياسية تمثل الشعب الفلسطيني وتدير شؤونهم خلال الفترة التي أعقبت النكبة الفلسطينية وإنشاء دولة إسرائيل. تأسست اللجنة العليا العربية للتعبير عن استجابة العالم العربي لتداعيات النكبة الفلسطينية عام 1948، التي انتهت  بمصادرة الأراضي الفلسطينية ونزوح آلاف الفلسطينيين. 
قررت الجامعة العربية واللجنة العليا العربية مقاطعة المفاوضات مع اللجنة الدولية الخاصة بفلسطين  (UNSCOP)    ، لم تشاركا في المناقشات حول أفضل طريقة لتنفيذ القرار الأممي 181، استغلت الحركة الصهيونية  هذه الفراغ، وتمكن قادتها من التقدم بسهولة وثقة، فأقاموا حوارًا ثنائيا مع الأمم المتحدة بشأن وضع خطة مستقبلية لفلسطين ، وهذا ما سيتكرر  خلال كل تاريخ جهود السلام في فلسطين، خاصة بعد دخول الأمريكيين على الخط منذ سنة  1967 إلى يومنا هذا ، ذلك أن النقاش بخصوص  استعادة السلام في فلسطين ، يعني دائمًا تطبيق استراتيجية تمت مناقشتها حصريًا بين الولايات المتحدة والحركة الصهيونية، دون التشاور بجدية مع الفلسطينيين، وعدم أخذ مصالحهم  بعين  الاعتبار.
سيطرت الحركة الصهيونية بسرعة كبيرة على اللعبة الدبلوماسية منذ عام 1948 وشعر قادة الصهيونية بالثقة الكافية لمطالبة اللجنة الدولية الخاصة بفلسطين  (UNSCOP) بدولة تغطي أكثر من 80٪ من فلسطين. في مفاوضاتهم مع الأمم المتحدة، قدم القادة الصهيونيون خريطة للدولة ال يريدونها ، وهي تشمل كل الأراضي التي ستحتلها إسرائيل خلال سنة واحدة ،أي سنة 1948، تضم كل فلسطين الانتداب دون الضفة الغربية ، غير أن معظم أعضاء اللجنة الدولية الخاصة بفلسطين  (UNSCOP)  كانوا يرون أن مطلب قادة الحركة الصهيونية  مبالغ فيه قليلاً، ونجحوا في إقناعهم بالاكتفاء بـ56٪ من أرض فلسطين ، كما نجحت الدول الكاثوليكية في إقناع الأمم المتحدة بتحويل القدس إلى نظام دولي، نظرًا لأهميتها الدينية. 
تأثير القرار 181على الفلسطينيين كان سيئا ومأساويا ، لم يؤد إلى تخفيف التوتر كما كان منتظرا  ، بل جعل كل الشرق الأوسط على صفيح ساخن وأدخله دوامة عنف لم يشهد التاريخ مثيلا لها .  فور علم السكان بأن الأمم المتحدة قد صوتت بأغلبية ساحقة لتقسيم فلسطين، أدركوا أن المستقبل سيكون قاتما ، وهذا ما جسدته الحركة الصهيونية على أرض الواقع حينما باشرت عمليات التطهير العرقي للفلسطينيين، مباشرة بعد إعلان بريطانيا عن نهاية الانتداب سنة 1948 .
 
 ترجمة/ عبد المجيد طعام (بتصرف)

عن كتاب : Le nettoyage ethnique de la Palestine Ilan Pappé
الحلقة القادمة : النكبة : الموقف العربي والفلسطيني